أحمد بن محمد مسكويه الرازي

69

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

نصيب « 1 » من اللب بمستوجب أن يسمى لبيبا ، ولا أن يوصف بصفات أولى الألباب . فمن رام أن يجعل لنفسه حظا منه فليأخذ أهبته « 2 » ، وليؤثره على أهوائه فإنه قد رام أمرا جسيما لا يصلح على الغفلة ، ولا يدرك بالمعجزة ، ولا يصبر على الأثرة ، وليس هو كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك المتوانى منها ما يفوت المثابر ، ويصيب العاجز منها ما يخطئ الحازم . وليعلم أن العامل إذا ضيع ما عمله حكم عليه عقله بمقارنة الجهال ؛ فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون في الحب لما يوافق والبغض لما لا يوافق « 3 » ، وأن هذه منزلة استوى « 4 » فيها الحمقى والأكياس ، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطأ ، وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة « 5 » والعجزة . فالأول من ذلك أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره فيعلم أن أحق ذلك بالطلب ، إن كان مما يحب « 6 » ، وأحقه بالاتقاء ، إن كان مما يكره ، أطوله وأدومه وأبقاه « 7 » ، فإذا هو قد أبصر فضل « 8 » الآخرة على الدنيا ، وفضل « 8 » سرور العلم على لذة الهوى ، وفضل « 8 » الرأي الجامع الذي يصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا ثم يضمحل ، وفضل « 8 » الأكلات على الأكلة والساعات على الساعة . والثاني أن ينظر [ 32 ب ] فيما يؤثره من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه ، فلا يجعل اتقاءه المخوف ولا رجاءه في غير المدرك ، فيترك عاجل اللذات طلبا لآجلها ، ويحتمل قريب الأذى توقيا لبعيده . فإذا صار إلى العاقبة بدا له أن فراره كان تورطا ، وأن طلبه كان شكا . والثالث تنفيذ البصر بالعزم وبعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم ، وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف ، فان طالب الفضل بغير صبر تائه حيران ، ومحصر الفضل بغير عزم ودون رصانة « 9 » محروم .

--> ( 1 ) ص : نصب . ( 2 ) ف : له أهبته . ( 3 ) والبغض . . . لا يوافق : ناقص في ص / ف : البغض ( من دون واو ) . ( 4 ) ف : يستوى . ( 5 ) ف : الخزنة . ( 6 ) ص : ما يجب . ( 7 ) ص : أيقاه . ( 8 ) ص : فصل . ( 9 ) ص ، ف : زمانه .